الخميس، 14 مارس، 2013

تحرَّرَت عبر "أسرار صغيرة".. فوجدنا نحن منفذًا

"أمتع الكتابات هي تلك التي تكتبها بإسم مستعار، ولكل منّا أسبابه.. هنا فقط تكمن الحرية".



بهذه الجملة عرّفت ريتا خوري كتابها، عرّفت هذه الأوراق التي تحمل بين سطورها سيرة ذاتية. سيرة امرأة عاشت تقلبات حياة النساء، كتبتها كما لم تستطع امرأة أخرى على البوح بها، ووضعتها في كتاب اختصر صراعات الحياة المعاصرة مع الذات، كما مع المحيط.

في الشكل، قليلة هي الكتب التي قرأت من سنوات عدة حتى اليوم، وتعتمد في أسلوبها الأدبي "الرقيّ" و"البلاغة"، وتميّز هذا الكتاب باحتوائه على هذين العنصرين في كتابات قاربت الكمال، بينما تصرّ الكاتبة في مقدمتها أن تعتبرها تدوينات.. فقط.

أمّا في المضمون، فيتراءى لك، مع توغّلك عبر الصفحات، لا أنّك تقرأ نصًّا مكتوبًا، بل أنّ ريتا تجلس معك وتتلو عليك حكاية ما قبل النوم – خاصة إن كنت تتذكر صوتها ونبرتها من "الحلقة الأضعف" – تلك المرأة الصارمة الحازمة، التي تبوح لك بمشاعرها، فتشعرك بالأمان والثقة، تُسعدك بتعابيرها، تُبكيك، تُضحِكك، ترسم في مخيلتك الزمان والمكان والحالة، وإن لم تكن قد أتت على ذكرهم في النص.

من طفولتها تنطلق، وإليها تعود، جاعلة إياها محور الكتاب، كما محور تقلبات حياتها.. علاقاتها بالبشر والتكنولوجيا والمحلل النفسي تختصر الكثير، وتضمر الأكثر، وتعبّر – بقصد أو بغير قصد – عن حال الكثيرين من النساء والرجال على السواء، عن هؤلاء الذين عاشوا ويعيشون حياة لا يريدونها، بل أَجبروا عليها.

"يوميات حاسوب".. من أكثر النصوص التي أعجبتني، ربما بسبب علاقتي الشخصية بالحاسوب (حاسوب آخر، غير الذي تكلمت عنه في التدوينة) وطريقة تفصيلها وأنسنتها لهذا الشيء الذي أصبح من ضرورات حياتنا اليومية.

أمّا في "عشرة أيام في بيروت"، فتفصّل تفكير كل مهاجر شاب لبناني، بين الحنين الى الوطن الذي ولد فيه، والحنين الى الوطن الذي احتضنه.. ودوامة الضياع التي تعبث به في هذا الوقت، حتى موعد مغادرته الأراضي اللبنانية.

وأنتهي عند "حياة واحدة لا تكفي"، فكلّ طَموحٍ لا تكفيه حياة واحدة.. والأجمل، كما الأخطر، أن نعيش حياتان، نشبع بهما رغباتنا وطوحاتنا و"أسرارنا الصغيرة".